الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

295

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والشافعي ، إذ قالا : لا يجب الإرضاع على الأم حتى في العصمة فلما انقطع إنفاق الأب عليها بالبينونة تمحضت إقامة غذاء ابنه عليه فإن أرادت أن ترضعه فهي أحق بذلك ، ولها أجل الإرضاع وإن أبت فعليه أن يطلب ظئرا لابنه فإن كان الطفل غير قابل ثدي غير أمه وجب عليها إرضاعه ووجب على أبيه دفع أجرة رضاعه . وقال أبو ثور : يجب إرضاع الابن على أمه ولو بعد البينونة . نقله عند أبو بكر ابن العربي في « الأحكام » وهو عجيب . وهذه الآية أمامه . والائتمار : التشاور والتداول في النظر . وأصله مطاوع أمره لأن المتشاورين يأمر أحدهما الآخر فيأتمر الآخر بما أمره . ومنه تسمية مجامع أصحاب الدعوة أو النحلة أو القصد الموحّد مؤتمرا لأنه يقع الاستئمار فيه ، أي التشاور وتداول الآراء . وقوله : وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ خطاب للرجال والنساء الواقع بينهم الطلاق ليتشاوروا في أمر إرضاع الأمّ ولدها . وما يبذله الأب لها من الأجرة على ذلك . وقيد الائتمار بالمعروف ، أي ائتمارا ملابسا لما هو المعروف في مثل حالهم وقومهم ، أي معتاد مقبول ، فلا يشتطّ الأب في الشحّ ولا تشتط الأم في الحرص . وقوله : وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى عتاب وموعظة للأب والأمّ بأن ينزّل كل منهما نفسه منزلة ما لو اجتلبت للطفل ظئر ، فلا تسأل الأمّ أكثر من أجر أمثالها ، ولا يشحّ الأب عما يبلغ أجر أمثال أمّ الطفل ، ولا يسقط حق الأمّ إذا وجد الأب من يرضع له مجانا لأن اللّه قال : فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى وإنما يقال : أرضعت له ، إذا استؤجرت لذلك ، كما يقال : استرضع أيضا ، إذا آجر من يرضع له ولده . وتقدم في سورة البقرة قوله تعالى : وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ [ 233 ] الآية . والتعاسر صدور العسر من الجانبين . وهو تفاعل من قولكم : عسرت فلانا ، إذا أخذته على عسره ، ويقال : تعاسر البيّعان إذا لم يتفقا . فمعنى تَعاسَرْتُمْ اشتدّ الخلاف بينكم ولم ترجعوا إلى وفاق ، أي فلا يبقى الولد بدون رضاعة . وسين الاستقبال مستعمل في معنى التأكيد ، كقوله : قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي في سورة يوسف [ 98 ] . وهذا المعنى ناشئ عن جعل علامة الاستقبال كناية عن تجدد ذلك الفعل في أزمنة المستقبل تحقيقا لتحصيله .